إخوان الصفاء

25

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل اعلم أنه ليس من علم ولا عمل ولا تجارة إلّا وبين أهلها فيها منازعة وخلف . فمن ذلك الخلف الذي بين العلماء في حدوث العالم وقدمه ، وهما طائفتان : الفلسفية والشريعة . فالأنبياء ، عليهم السلام ، كلهم يرون ويعتقدون أن عالم الأجسام محدث لا شك فيه . وهكذا يرى بعض الفلاسفة الفضلاء الراسخون في العلم . فأما المتفلسفة الناقصون فشاكّون فيما يقولون ، متحيرون فيما يزعمون من قدم العالم . وهكذا حكم كثير من أتباع الأنبياء ، عليهم السلام ، والمقرّبين بما خبرت به ، فإنهم شاكّون أيضا فيما يقلّدون ، ومتحيّرون فيما يعتقدون . وأعيذك ، أيها الأخ الفاضل ، بالله أن تكون منهم ، لأن ما مثلهم في هذه الرسالة وما يختلفون فيها إلّا كمثل أولئك الصبيان الأغبياء البله الجهلاء . وذلك أنه كان رجل حكيم له أولاد صغار ، وكان فيهم جماعة أذكياء فهماء نجباء ، وكان فيهم جماعة أغبياء بله جهلاء ، فنظر أولئك الأخوة يوما في بعض خزائن أبيهم ، فوجدوها مملوءة بالحلاوة ، مختلفة الطعام والألوان والروائح والأشكال ، فتأمّلوها وفكروا فيها ، فوقع في أفكارهم أن قالوا : ألا ترى من عمل هذه العجائب ، وصوّر هذه الأشكال ، ومن صنع هذه الألوان ؟ فمن كان منهم ذكيّا فهيما مدركا نجيبا ، علم أنه عمل صانع حكيم . ومن كان منهم غبيّا أبله ساهيا ، خفي عليه ذلك وانغلق . ثم تفكر الذين علموا أنه صنعة الحكيم : أترى من أي شيء عملها ، وبأي شيء صوّرها ؟ فمن كان منهم أذكى وأفهم ، علم أنه من شيء آخر عملها . ومن كان دونهم في الفهم والذكاء خفي عليه ذلك . ثم تفكر الذين علموا أنه من أي شيء عملها : ترى كيف عملها ، ولم